داخل أية علاقة، يخلق الخوف من الانزعاج والألم المزيد من الاحتيال العاطفي
يبذل الناس جهوداً خارقة، معظمها غير موفق، لتجنب ألم مواجهة أية مشكلة بشكل مباشر وصريح. ولكن بما أن مشكلات التواصل تحدث بين أي زوجين بشكل متكرر يومياً، كما هي الحال بين الأصدقاء وزملاء العمل وأفرد العائلة، فسوف يكون هناك قدر كبير من التهرب.
(ملحوظة: يقدم الجزء الثالث طريقة مثبتة الفاعلية في مواجهة المشكلات بشكل مباشر وصريح، يطلق على هذه العملية اسم "الصراع البناء"). عملت لأكثر من عقدين مع عدد لا حصر له من الأزواج الذين كانوا يتجنبون الصراع بشكل دائم. لماذا؟ بسبب الثلاثي السام الذي دفعهم للتملص من تحمل مسئولية مشكلاتهم. لقد كانوا يضللون أنفسهم بالاعتقاد بأنهم على صواب –بغض النظر عن مدى شعورهم بالتعاسة أو الوحدة. وحينما يخيرون بين أن يكونوا على حق أو أن يكونوا سعداء، خمن ماذا يختارون؟ عادةً لا يكون خيارهم هو السعادة. وحينما يلوح بصيص من الأمل في الأفق – لنقل مثلاً إن أحد الطرفين أدرك بشكل عابر أنه لم يكن على صواب بنسبة مائلة بالمائة –يسيطر الخوف مرة أخرى على المشهد؛ ولكن يكون الخوف هذه المرة من التغيير. توضح قصة "جين" و"ميليسا" كيف يمكن للخوف من التغيير أن يكون قوياً جداً للدرجة التي تحكم على العلاقة بالفشل. جاء لي كل من "جين" و "ميليسا" لأنه بعد مرور ثلاث سنوات فقط على زواجهما قررت "ميليسا" أن تنفصل عن زوجها وتذهب للعيش في مكان آخر. حاول "جين" مصالحتها بالاعتراف بأنه يعاني أحياناً "نوبات انفعال عارضة"، ولكنه اتهم زجته بالمبالغة في رد فعلها و"عدم الاعتراف بأنها تستفزه. "شرح" جين" مشكلتهما كما يلي:
"ميليسا كانت تعلم دائماً أنني أكره الإهمال. كانت تستطيع أن تجعل حياتنا أقل توتراً من خلال الاهتمام أكثر بالأمور. صدقني لقد احتملت الكثير. بالطبع أنا أغضب حينما أتعرض للكثير من الضغط. أنا أبذل كل جهدي للسيطرة على نفسي، ولكني لست مستعداً للتنازل عن مبادئي، ليس من العدل أبداً ألا تتحمل زوجتي مسئولية أفعالها". استمعت "ميليسا" إلى ذلك بعيون منكسرة، وحينما سألتها عن وجهة نظرها تنهدت قائلة: "إن ترك ملعقة على طاولة المطبخ يعد خطأ بالغاً من وجهة نظر "جين". وهو ينزعج أن وجد درجاً غير مغلق بشكل تام. لا يمكنني أن أصل لمستوى المثالية الذي يرغب فيه. والآن أنا أعيش وحدي، أخيراً أستطيع أن أتنفس بحرية". لم يكن "جين" مهتماً بفحص معاييره أو "قيمه"، وهي كلمات لطيفة للتعبير عن حالة الوسواس القهري التي يعانيها. لقد كان يطلب من زوجته أن تذعن بشكل تام لحاجته إلى النظام والترتيب. وقد أنهى الجلسة العلاجية بقوله: "لا أظن أنني وزوجتي يمكن أن نعود معاً من دون أن تعترف بدورها في المشكلة. "وبعد انصرافهما قلت لنفسي: "ومن الأفضل لها أن تفعل ذلك". إن اعتقاد "جين" الزائف بأنه يمتلك الحق للتحكم في بيئته بشكل متعنت كان محمياً بمقاومته الشديدة لأي نوع من التغيير. لقد أنكر أن معاييره كانت متطرفة. لقد توهم وتوقع أن زوجته سوف تذعن لحاجاته غير المنطقية وسمح لنفسه بأن يثور حينما كان يغضب. لقد وجه لها اللوم اتهمها بتبلد المشاعر. وهذا نوع عميق وحاد من الاحتيال العاطفي. ومع ذلك كان يمكن أن يسير الأمر بشكل مختلف، وكاد يكون كذلك فبعد أسبوع اتصل "جين" لتحديد موعد لزيارتي وحده. وخلال الدقائق القليلة الأولى بدأ أن "جين" يطلب وجهة نظري المتخصصة، وقد فكرت أن هذا شيء رائع. فتلك فرصة بالنسبة له ليدرك أن توجهه وسلوكه كانا متطرفين. وأنه في الواقع كان يعاني مشكلة حقيقية تتمثل في وسواسه القهري، وكان العلاج ممكناً، وربما استطاع أن ينقذ زواجه. وفي النهاية سألني :"د." آلاسكو"، في رأيك ما هو سبب تعنت "ميليسا" بهذا الشكل؟ لماذا لا ترغب في أن تكون أكثر حباً وتعاوناً؟ أنا واثق أنها تعاني مشكلات أعمق بكثير مما يمكن أن يتم علاجه في عيادة الاستشارات الزوجية. أظن أنها تحتاج لعلاج نفسي". شعرت بالصدمة! ثم أدركت أن مشكلة "جين" أعمق بكثير مما كنت أتصور. فقد كان الاحتيال العاطفي الذي يمارسه يرتكز على اضطراب في شخصيته وهو عقدة النرجسية. كان كل شيء يدور حوله وحده وكيف لم يكن يعامله العالم بالطريقة التي يستحقها. تحديته حول وجهة نظره ولكنه لم يستمتع لأية كلمة قلتها. انصرف وقد خاب ظنه في بشدة. لقد ظل على اعتقاده بأنه على صواب مائة بالمائة ووجد شخصاً آخر ليلقي عليه باللوم. لقد حقق هدفه بهذا الشكل.